محمد جمال الدين القاسمي

429

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقد روي عن عمر أنه قال لعبد اللّه بن سلام : أتعرف محمدا كما تعرف ولدك ؟ قال : نعم وأكثر . نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته . وإني لا أدري ما كان من أمه . فقبّل عمر رأسه . وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ أي أهل الكتاب ، مع ذلك التحقق والإيقان العلميّ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ أي يخفونه ولا يعلنونه وَهُمْ يَعْلَمُونَ أي الحق ، أو عقاب الكتمان ، أو أنهم يكتمون . قال الراغب : لم يقل يكتمونه . لأن في كتمان أمره كتمان الحق جملة . وزاد في ذمهم بقوله وَهُمْ يَعْلَمُونَ فإنه ليس المرتكب ذنبا عن جهل ، كمن يرتكبه عن علم . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 147 ] الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 147 ) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أي الحق من الله ، لا من غيره . يعني أن الحق ما ثبت أنه من الله ، كالذي أنت عليه . وما لم يثبت أنه من الله ، كالذي عليه أهل الكتاب ، فهو الباطل . أي هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك . وقرأ عليّ رضي الله عنه الْحَقُّ بالنصب على الإبدال من الأول ، كما في الكشاف . أو المفعولية ل يَعْلَمُونَ ، كما قاله أبو البقاء . فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ الشاكّين في كتمانهم الحق مع علمهم . أو في الحق الذي جاءك من ربك ، وهو ما أنت عليه . ومعلوم أن الشك غير متوقع منه . ففيه تعريض للأمّة . وقال الراغب : ليس هذا بنهي عن الشك لأنه لا يكون بقصد من الشاكّ ، بل هو حث على اكتساب المعارف المزيلة للشك واستعمالها . وعلى ذلك قوله إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [ هود : 46 ] . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 148 ] وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 148 ) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ أي لكل أمة أو لكل نبيّ قبلة أو شرعة ومنهاج هُوَ مُوَلِّيها وجهه . أي مائل إليها بوجهه ، تابع لها . لأنها حبّبت إليه ، وزيّنت له . وقال أبو معاذ : موليها بمعنى متوليها . أي تولاها ورضيها واتبعها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أي ابتدروها بالمسابقة إليها . وهذا أبلغ من الأمر بالمسارعة ، لما فيه من الحث على إحراز قصب السبق . والمراد بالخيرات جميع أنواعها مما ينال به سعادة الدارين أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً قال الراغب : أي أيّ شغل تحريتم ، وحيثما تصرفتم ، وأي